الصناعات الإسلامية     

 

Al-Jazari_Automata_1205

حفلت متاحف العالم بنماذج قيّمة من المشغولات الفنية على مستوى عال من الإتقان والبراعة، كان للفنان المسلم نصيب وافر في إبداعها، وذاع صيت عدد من المدن في ديار الإسلام، في كل زمان، بما يعمل فيها من الأقمشة الحريرية المطرّزة بالذهب، أنفس ما يتهاداه المترفون، أو العطور، وماء الزعفران، والسوسن، والقيصوم، ودهن البنفسج، والنرجس، والزنبق، أكرم ما يحمل إلى المحبين في الآفاق، وغدت قبلة لأرباب الصناعات والفنون، يرحلون إليها، ويأخذون عن أساتذتها .

 

وكان الملوك إذا نظروا إلى سلعة حسناء، أو عمل محكم سألوا عن صانعه، فإذا أخبروا بمكانه، أنفذوا إليه من المال ما يرغب مثله فيه، وضمنوا له أضعاف ذلك إذا صار إليهم .

 

ففي دولة الخلافة كملت الصنائع بكمال العمران الحضري وكثرته، وجادت أنواعها، وازدهرت بعد توفر دواعي الرفاه والثروة .

 

مجتمع الوفرة الصناعية :

 

وتحدث الأستاذ محمد المنوني  عن مظاهر وفرة الصناعات في دولة الموحدين نقلاً عن ابن أبي زرع ، في الأنيس، والجزنائي في زهرة الآس: أنه كان بفاس وحدها لعهد المنصور  وابنه الناصر  من معامل الصناعات ما يأتي: داران للسكة، و3064 معملاً لنسج الثياب، و47 من ديار عمل الصابون، و86 من ديار الدبغ، و116 داراً للصباغة، و12 معملاً لتسبيك الحديد والنحاس، و11 مصنعاً للزجاج، و135 من كوش الجير، و400 حجر لعمل الكاغد، و188 داراً لعمل الفخار، وكانت هذه خارج مدينة فاس  .

 

وأضاف نقلاً عن النفح: أنه لما أراد عبد المؤمن  بن علي، أمير الموحدين، تفخيم مصحف عثمان، حشر له الصناع المتقنين ممن كان بحضرتهم العلية، وسائر بلادهم القريبة والقصية، فاجتمع لذلك حذّاق كل صناعة، ومهرة كل طائفة من المهندسين، والصوّاغين، والنظّامين، والحلاّئين، والنقّاشين، والمرصّعين، والنجّارين، والزوّاقين، والرسّامين، والمجلّدين، وعرفاء البنّائين، ولم يبق من يوصف ببراعة، أو ينسب إلى الحذق في صناعة إلا أحضر . (1)

 

الإتقان في العمل:

 

أتقن الصناع المسلمون الأعمال المهنية والحرف اليدوية التي يزاولونها، طلبا لمرضاة الله، ونوال ثوابه، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه .

 

التنظيمات الحرفيّة:

 

وكان لكل طائفة حرفيّة أمين لها يسمى أحياناً العريف، يتولى تمثيلها أمام المحتسب، وكان لكل طائفة حرفيّة أو صناعيّة مواضع للصناعة أو البيع مخصّصة في كل مدينة .

 

وكان التنظيم الحرفي يميّز بين المعلم (شيخ الصنعة) والصانع المدرب، والمتعلم (الصبي) .

 

ولم يسمح لأي مهني من مزاولة مهنته إلا بعد موافقة شيخ  الحرفة، خشية أن يتطفل عليها من لا يتقن أصولها، حفاظاً على سمعة السوق من رداءة الانتاج، وحماية المستهلك من الغش والتدليس .

 

صناعة الغزل والنسيج:

 

عرفت حواضر الجزيرة  العربيّة الغزل والنسيج اليدوي، وروت المصادر أن امرأة جاءت ببردة نسجتها بيدها فكست بها رسول الله (ص) فقبلها، واشتهرت تجارة الأقمشة الصوفيّة والحريريّة فيها، ومارس أكابر الصحابة هذه الحرفة، فقد كان عثمان بن عفان  من أكبر تجّار البز، وكذلك طلحة بن عبيد الله ، وأبو بكر الصدّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وأما الزبير بن العوام ، وعمرو بن العاص، وعامر بن كريز ، فكانوا خزّازين، رضي الله عنهم أجمعين .

 

ووصف المسلمون بأنهم أهل تدقيق في الصناعات، فقد تفوّقوا في نسج الثياب الموشّاة والبسط والبرود، وازدهرت صناعة غزل ونسج الأقمشة الحريريّة والصوفيّة والقطنيّة والكتانيّة في أقطار الخلافة التي تنتج مادتها الأوّلية، واشتهرت شرقي فارس ، وبلاد ما وراء النهر، وأفغانستان وشمال أفريقيا بالمنسوجات القطنيّة، ومصر بالمنسوجات الكتانية فائقة الجودة، وإقليم خوزستان  بالمنسوجات الحريريّة .

 

وتكشف لنا نصوص الرحالة عن بعض المراكز المتخصصة في عمليات التطريز والحياكة، إلى جانب ما أمدتنا به تلك النصوص من أسماء لأنواع المنسوجات وخصائصها وألوانها وأشكالها .

 

ومن أهم مراكز صناعة النسيج في مصر  التي أشارت إليها النصوص، مدينة دمياط ، وتنيس، والمحلة، وشطا، ودبقوه، وأبيار، وبني سويف، والفيوم، وبوش، وبهنسا، ودلاص، ودميرة .

 

وأثنى الرحالة على ما يصنع في مغازل تنيس  من جودة تفوق ما يصنع في كافّة الأقطار، وفي ذلك يقول البكري: ومدينة تنيس كبيرة لها مسجد وأسواق، وأهلها ذوو يسار وثروة، وأكثرهم حاكة، وثيابها الشروب لا يصنع مثلها في الدنيا .

 

وصار النسيج الموصلي مضرب المثل في الدقّة والجودة والجمال، واتّخذوا من الشاش الموصلي الغلالات الجميلة، وطرّزوا حواشيه بالحرير، واتخذ النساء منه ثياباً للزينة وأزراً، كما اتخذن منه الأحزمة التي تفوق بجمالها أحزمة الحرير .(2)

 

وإلى صنعاء  ينسب الوشي، ولبعض المتأخرين يذكر ممدوحاً:

 

 

وشي نضار صلاته بلجينه      أعجب بحسن الوشي من صنعاء

 

 

وتعمل بصنعاء الحبرات من القطن التي لا يقدر في غيرها على اتخاذ مثلها، ومنها تحمل إلى البلاد، وكذلك الأردية، والعمائم العدنيّة، والثياب السحولية، والأدم الطائفي لا يوجد في قطر من الأقطار مثله .(3)

 

وذكر من صناعات بخارى :البسط، والمصلّيات، والثياب الرخوة، وثياب الفرش التي تفرش في حجرات الضيوف، وكانت تنسج في محابسها حزم الخيل، وتدبغ فيها جلود الضأن، وكان الصفّارون يصنعون بسمرقند القدور العظيمة من النحاس .(4)

 

وبفارس أصباغ من مختلف الأنواع، فكثر فيها الصبّاغون، وكان لبسطها وثيابها الموشاة شهرة بعيدة في كل العصور .(5)

 

وكان ينسج ببغداد ألوان ثياب الخز، واشتهرت البصرة  بصناعة الكحل (الراسخت)، ومعدن يعمل منه الحبر الأحمر، وتعمل ثياب الكتان الرفيعة على عمل القصب بالأبلّة، واشتهرت الكوفة  بعمائم الخز، ومناديل الحرير (الكوفيات)، والنعمانية بالأكسية وألوان ثياب الصوف، وواسط بصناعة السجّاد، والستور، ومرو بثياب الإبريسم .

 

وفي القاهرة  أنشأ المعز لدين الله  الفاطمي  دار الكسوة ، وكان يصنع بها كسوة الكعبة ، وثياب موظفي الدولة، والخلع التي تمنح لكبار المسؤولين في المناسبات الدينية، كما أنشأ الفضل الجمالي دار الديباج لصناعة أفخر الثياب، والظاهر الفاطمي دار البنود، لصناعة الأعلام والرايات .

 

وازدهرت صناعة المنسوجات الحريرية في الأندلس  إلى جانب المنسوجات الصوفية والكتانية والقطنية، نظراً لكثرة أشجار التوت، فكانت النساء الريفيات يقمن بتربية دود القز، ورعاية بيضه، وحل شرانقه، وغزل خيوطه وصبغها بالألوان الثابتة الجميلة، وكانت أشهر مراكز نسج الحرير قرطبة  والمريّة ومرسيّة .

 

ويتحدث صاحب نفح الطيب عن صناعة النسيج في الأندلس  حيث بلغت أناقة أهل الفردوس المفقود  درجة عالية، فقد أنتجوا في مصانعهم الأقمشة المختلفة ومنها: الوشي المذهب في المريّ ة  ومالقة، والملبّد المختّم في غرناطة  وبسطة، كما كانوا يتخذون الفراء من حيوان بحري يسمى السمّور، وحيوان آخر يسمى القنلية (الأرنب) .

 

وتحدث الدكتور الطوخي  عن صناعة النسيج في مملكة غرناطة  فذكر أن سلاطين غرناطة كانوا يقدّمون منسوجات مملكتهم هدايا إلى ملوك الدول الأخرى، ونقل عن المصادر أن مدينة المريّ ة  كانت مصنعاً للحلل الموشّية النفيسة، وثياب الحرير الموشّاة بالذهب ذات الصنائع الغريبة، وأنه كان بها ثمانمائة نول لنسج الحرير، وألف نول للحلل النفيسة، والديباج الفاخر والإسقلاطون، والأصبهاني والجرجاني، والستور المكللة، والثياب المعيّنة، والعتابي الفاخر، وصنوف الحرير ؛ وأن بمالقة حلل الديباج البديعة ذات التطريز، والحلل الموشية التي تجاوز أثمانها الآلاف ذات الصور العجيبة المنتجة برسم الخلفاء فمن دونهم، وأضاف قائلا: ابتدع النسّاج الغرناطي في القرن الثامن الهجري (14 ميلادي) طريقة جديدة استطاع بها أن يستخدم ألواناً عديدة، وبرع في إبراز الزخارف الهندسيّة الشهيرة عن طريق هذه الألوان التي يدل انسجامها على رقّة ذوق عجيبة، واستخدمت في زخرفتها مجموعات هندسيّة زخرفيّة غرناطيّة، وتوريقات وزخرفة حيوانيّة وغيرها .(6)

 

وأدخل الأمير عبد الرحمن  الثاني  فكرة دار الطراز ، لإنتاج الثياب الفاخرة، وجعلها بجوار قصره، وعهد بها لصاحب الطراز، كما كان لعرب صقلية  دار طراز بمدينة بلرم ، لا تزال بعض منتوجاتها من الحرير الأحمر الموشّى بخيوط الذهب محفوظة في متحف فيينا .

 

وتشهد مقتنيات متاحف إسبانيا  للأندلسيين بالتفوق والبراعة، ويشعر الزائر العربي لمتاحف: (فيجو بقطالونيا) و(الأكاديمية الملكية بمدريد ) و(متحف الفن ببروكسل ) وغيرها من المتاحف المتخصصة بالزهوّ والخيلاء فيما بلغ أجداده من الرقي والتقدّم في صناعة النسيج .

 

وتحدث الإدريسي  عن صناعة نسيج الحرير بالساحل الشامي، وما حازته من شهرة واسعة في الشرق والغرب، وأشاد بمصنوعات صور  الحريريّة، ووصفها بأنها من أفخر الأجناس، وأنها تمتاز بجمالها على غيرها من منتجات الشام ، وأنها كانت مرغوبة جداً في الخارج، وأن طرابلس  كانت تفاخر بمنسوجاتها المبرقشة .

 

ومن المنسوجات الفاخرة التي تصنع في مدن الشام  كلها وخاصّة طرابلس  وطرطوس، المنسوجات المخملية، وكانت تصنع من وبر الجمل أو وبر الماعز، أو من الصوف، أو من الحرير .

 

صناعة الرخام:

 

وكان الرخام مادّة مهمّة في البناء لكثرته في ظاهر الموصل ، ومطاوعته للنحت، والصقل، والحفر، ومنه أقاموا الأروقة، والأواوين، والمنابر، والمحاريب، وقبور الصالحين، وتفننوا في زخرفته بزخارف مختلفة، وكتابات متنوعة، نافرة أو غائرة . (7)

 

واشتهرت حواضر الأندلس  بمقاطع الرخام، وخاصّة الأبيض الناصع البياض، الشديد الصفاء، شديد الصلابة، فاستخرج منه الخلفاء الأندلسيون المولعون بالبناء ما يلزم لصناعة الأعمدة، وتيجانها، وقواعدها، واللوحات التي تكسو الجدران والأرضيات، هذا بالإضافة إلى عمل أحواض السقايات وبيلات الوضوء .

 

معاصر الزيت:

 

ومن زيت سفاقس  يمتار أكثر أهل المغرب ، وكان يحمل إلى مصر ، وصقلية، والروم، ويكون فيها رخيصاً جداً، وقصدها التجار من الآفاق بالأموال لابتياع الزيت . (8)

 

استخراج الحديد وصناعته :

 

واهتم الإسلام بالحديد، حتى سمّيت سورة باسمه في القرآن الكريم، وذكر في محكم التنزيل: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) . (9)

 

قال الآلوسي: وأول من عمل الحديد من العرب الهالك بن عمر بن أسد ، ولذلك قيل: أسد القيون، وقيل لكل حداد هالكي، وكان من أحسن السيوف عند العرب: المشرفية، والمشرفي هو السيف المنسوب إلى مشارف  من تخوم البلقاء ، أو مشارف الشام ، والسرجية، نسبة إلى سريج، وهو رجل من أسد، والرماح الخطيّة، نسبة إلى خط، اسم أرض بالبحرين، والردينيّة، نسبة إلى امرأة يقال لها ردينة، كانت تعمل الرماح، وأجود السهام التي وصفتها العرب: سهام بلاد، وسهام يثرب ، وهما قريتان من حجر اليمامة ، والكنانة: محفظة النبال، والكنائن الزغريّة منسوبة إلى زغر ، موضع بالشام تعمل به كنائن حمر مذهبة، والدروع الحطمية منسوبة إلى حطمة بن محارب ، والسلوقية منسوبة إلى سلوق ، قرية باليمن، وصنع العرب المنجنيق والعرّادات . (10)

 

وتحدّث المقدسي  عن الصناعات المعدنيّة التي كانت تصنع في حواضر إقليم الجزيرة ، الموصل  وحرّان ونصيبين، فذكر السلاسل، والسكاكين، والأسطال، والنشاب .

 

وذكر المؤرخون: أنه من ناحية مينك وسمرسندة بإقليم أشروسنة  تتخذ آلات الحديد التي تعمّ خراسان ، ويجهّز إلى العراق ، ذلك لأن الحديد بفرغانة ليّن ممكن لما يراد قنيته في أي صنعة قصد منه . (11)

 

واشتهرت فرغانة  بحجر الأرحاء والفحم الحجري للوقود، ويرتفع من الشاش السيوف وغيرها من السلاح، وآلات النحاس والحديد كالإبر، والمقارض، والقدور، ويرتفع منها أيضاً السروج، والجعاب، والقسي الجيدة . (12)

 

واستخدم الأندلسيون الحديد في صناعة آلات السفن كالمراسي والمسامير، وفي صناعة العدد وآلات الحدادة كالمزاليج والمفصلات ؛ وكانت قرطبة  مركزاً هاما لصناعة الآلات والعدد الحديدية خاصّة ما يتعلق منها بأعمال البناء، وقد عثر في حفائر الزهراء  على قطع عديدة من الأدوات الحديديّة من مزاليج ومفصلات ثبتت بها مسامير كبيرة للأبواب قد تأكسدت وتآكلت بفعل الصدأ . (13)

 

زخرفة المعادن ونقشها:

 

وورث الصناع المواصلة من الآشوريين صناعة التحف المعدنية وأضافوا إليها، وابتكروا عناصر زخرفية جميلة مطعّمة بالفضة والذهب، وكانت تمثل التحف الموصليّة: القناديل، والشمعدانات، والمحابر، والمباخر، وأدوات المناضد، والطشوت، والصواني، وأدوات الشرب، والمزهريّات، وغير ذلك . (14)

 

وأشار (كولان ) إلى المشغولات البرونزيّة في عصر الخلافة المروانيّة بالأندلس، من مصابيح إلى ثريّات وقناديل وميازيب على هيئة الحيوانات، وهاونات ومواقد للبخور إلخ، كما أشار إلى صعوبة إثبات منشئها الأصلي، بسبب مشابهتها للمشغولات البرونزية الفاطميّة.

 

وأضاف قائلاً: ويتضح كمال الأصول الفنيّة للأشغال المعدنيّة في القرن السادس الهجري، من رقائق البرونز المحفورة والمنقوشة، التي تغطي الأوراق الخشبيّة في باب رواق المسجد الكبير بإشبيلية، ومقارع أبوابه الفخمة المصنوعة من البرونز المصبوب أو المنقوش التي لا تزال موجودة في نفس البقعة التي صنعت فيها . (15)

 

وذكر المقري  أن جامع قرطبة  اشتمل على مائتين وثمانين ثريّا من اللاطون (الصفر) عدد كؤوسها يبلغ سبعة آلاف وأربعمائة وخمساً وعشرين كأساً، وقيل عشرة آلاف وثمانمائة وخمس كؤوس، فيها أربع ثريات كبار معلقة في البلاط الأوسط، أكبرها الثريّا الضخمة التي تتدلى من قبة المحراب، وكانت تحمل وحدها ألفاً وعشرين كأساً .

 

ومن الآثار النفيسة الباقية قطعتان نفيستان ناطقتان بما وصلت إليه صناعة الصفر في عصر الموحدين، أولاهما: الثريّا الكبرى بجامع القرويين  العامر، وفيها من الصنعة ما يعجز عنه الآن .

 

أما الثانية:فهي الثريا الكبرى بجامع مكناس الأعظم، المؤرخ صنعها في عام أربعة وستمائة للهجرة النبوية . (16)

 

استخراج اللؤلؤ والمرجان وصناعة المعادن النفيسة :

 

واشتهر على مدار التاريخ أهل الخليج  باستخراج اللؤلؤ، وخاصّة العمانيّون منهم والبحرينيّون، وكانوا يخرجون إلى الغوص عليه جماعات في مواسم مخصوصة، وأماكن يعرفونها، وذكر الجغرافي الرحّالة الإدريسي  أن في الخليج الفارسي (الإسلامي) جميع مغايص اللؤلؤ وأمكنته، وهي نحو من ثلاثمائة مكان .

 

أما المرجان فكان يكثر بسواحل شمال أفريقيا ، واشتهر به أهل سبتة  المغربيّة، وجزيرة صقلية ، وساحل بيرة  بالأندلس .

 

وكان المسلمون أهل براعة في صناعة الحلي ووشي الملابس الفاخرة بخيوط الذهب والفضّة، وكانت بمصر صناعة أنيقة للمشغولات الذهبيّة، يمتد تاريخها منذ عهود الفراعنة، يتوارثها الآباء عن الأجداد .

 

وفي المتحف الحربي بمدريد  عدة سيوف مرصّعة بالأحجار الكريمة، ينسب أحدها إلى أبي عبد الله، وهو رائعة من روائع الصياغة، يتميّز برشاقة متناهية، مقبضه مصنوع من العاج، ومطلي بالفضة المذهبة، وفيه زخرفة تقوم على الصياغة المزركشة، والتطعيم بالمينا الكثيرة الألوان المثبتة في إطارات .

 

ووصف أبو الريحان البيروني  المعادن والفلزّات والأحجار الكريمة بدقّة وبراعة وإتقان، وتحدث الإصطخري والمقدسي والهمذاني وغيرهم عن مناجم الذهب والفضّة التي كانوا يستخرجون منها المعدن الثمين ومنها: مناجم مدينة دمنان  بإقليم كرمان ، ومنجم إقليم الرحاب ، ومناجم سجلماسة  بالمغرب، ومناجم المنطقة الممتدة من ينبع  والمروة على ساحل بحر القلزم  (الأحمر) ومناجم سبأ  بمدينة اليمن ، ومناجم جبال فرغانة ، ومناجم وادي خصنك  بسمرقند، وكانوا يجمعون التبر من بلاد البجّة ، ومن وادي العلاقي  بعد أسوان  وما حواليها، وسيول منطقة ختّل  شمالي طخارستان  .

 

ونقل المتأخرون عن الرحالة العرب ما شاهدوه من تلك المناجم، وفي هذا يقول (كي ليسترونج ) صاحب كتاب (بلدان الخلافة الشرقية): وعند منبع نهر كابل  الشرقي جبل الفضّة ، ومنه كان يستخرج المعدن الثمين، ويضرب في دار الضرب  بمدينة بنجهير ، أيام بني الصفار في المئة الثالثة، وقد شاهد ابن بطوطة  في المئة الثامنة بقايا هذه المناجم . (17)

 

وذكر معدن الفيروزج في جبال طوس  وقال: ينحت منها القدور البرام وغيرها من الآلات والظروف حتى قال بعضهم: قد ألان الله لأهل طوس الحجر كما ألان لداوود عليه السلام الحديد .(18)

 

الصناعات الخشبية والزخرفية:

 

وفي طبرستان  الخشب الخلنج، يتخذ منه الظروف والآلات والأطباق والقصاع ثم يحمل إلى الري ، وصنّاع بلد الريّ  يجعلونه في الخرط مرة أخرى، حتى يبقى لطيفا ويذوّقونه، ومن الري يحمل إلى سائر البلاد؛ ومن هذا الخشب تتخذ النشاشيب الجديدة .(19)

 

وحظيت قرطبة  بشهرة كبيرة في فن الحفر في الخشب، وذاعت شهرتها بالذات في صناعة المنابر، وقد أمدنا مؤرخو العرب بوصف رائع لمنبر جامع قرطبة ،  ومقصورته الخشبيّة، وكرسي المصحف العثماني، هذا بالإضافة إلى وصف منبر جامع الزهراء  ؛ وفي وصف منبر جامع قرطبة يذكر ابن غالب أنه من الصندل الأحمر والأصفر والأبنوس والعود الرطب والمرجان، وأوصاله وحشواته من الفضّة المثبّتة والمنيلة .(20)

 

ونقل (كولان ) أن أمهر أرباب الحرف متفقون في الرأي على أن منابر مسجد قرطبة  ومسجد الكتبية في مراكش  من أبدع المنابر على الإطلاق .

 

ووصفوا منبر مسجد قرطبة  الذي أمر بصنعه الحكم المستنصر  بقولهم: ليس على معمور الأرض أتقن منه، ولا مثله في حسن صنعته .

 

وفي رواية للإدريسي أن منبر المسجد الجامع في قرطبة  لا نظير له في العالم، وقد صنع في عهد الحكم الثاني ، ويوصف بانه نموذج لا يبارى لفن صنع الأثاث الرفيع المطعّم بالعاج والخشب الرقيق .

 

أما منبر الكتبيّة فقد صنع في قرطبة ،  وهو مكسو بزخرفة رقيقة تتألف من أشكال هندسية متشابكة في ألواح مطعّمة مكونة من قطع خشبية صغيرة ثمينة ذات ألواح مختلفة تحف بها قشرة رقيقة من العاج، بينما تملأ المحفورات الخشبية النفيسة الفراغات بين الخطوط الزخرفيّة المتشابكة .(21)

 

وتمثّل فن نحت الخشب في صناعة العلب الخشبيّة التي كانت جميلات الأندلس  يتخذنها لحفظ قوارير العطر، والحلى الثمينة والمجوهرات النفيسة، والدنانير الذهبية .

 

صناعة القرميد:

 

واشتهرت قاشان  في ديار الشرق بقرميدها الذي يقال له: القاشاني وأصبحت هذه التسمية تطلق على القرميد الأزرق والأخضر المتخذ في تزويق المساجد حتى يومنا هذا . (22)

 

وكانت برود الري  المقلّمة مشهورة، وتصنع فيها المسال والأمشاط والقصّاع، ويجلب منها طيف يغسل به الرأس في غاية النعومة، ومن قزوين  تحمل الأكسية وجوارب الأدم للأسفار والقسي، ومن قم  الكراسي واللجم والركب، وتشتهر أصفهان  بحللها وأقفالها، ومن همذان تحمل الأجبان والزعفران وجلود الثعلب والسمّور وبالقرب منها معدن القصدير . (23)

 

وتحدّث القزويني  عن الثياب والأطلس والنسيج الذي يحمل من تبريز  إلى الآفاق . (24)

 

صناعة الحلي والسلع الكمالية :

 

وذهب (مونتجومري وات ) في معرض حديثه عن فنون الحياة الرغدة إلى القول بأنّه لم يكن من الغريب أن تشهد إسبانيا  الإسلامية نشأة صناعات عديدة لإنتاج السلع الكمالية سواءً لاستهلاك السوق المحلية أو للتصدير، ومن بين هذه السلع المنسوجات الفخمة من الصوف والكتّان والحرير التي لا نزال نحتفظ بعيًنات منها، والثياب المحلاّة بالفراء، أو المصنوعة من الفراء وحده؛ أما صناعة الخزف فكانت على درجة عظيمة من الرقي، واقتبست من المشرق أساليب كتلك الخاصة بتلوين الآجر، وقد اكتشف في قرطبة  سرّ صناعة الكريستال خلال النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي؛ وكانت هناك وفرة من العمال المهرة في صناعة الأدوات الدقيقة من الحديد، أنتجوا الأواني الجميلة أو تماثيل الحيوانات من النحاس والبرونز، وطعّموها بالفضّة والذهب، فما حل القرن العاشر حتى أضحت قرطبة منافسة للدولة البيزنطيّة في فنون صائغي الذهب والفضّة، وصانعي الحلي والمجوهرات؛ وبوسعنا بفضل ما خلفته لنا تلك العصور من العقود والأساور والأقراط وغيرها من صنوف الحلي الفاخرة، أن نكوّن فكرة عن المستوى الرفيع لهذه الإنجازات الفنيّة والتقنية . (25)

 

ويحدثنا المؤرخون عن إتقان المسلمين في الأندلس  لصناعة الحلي، وعن اهتمام المرأة الأندلسيّة بالسلع الكمالية التي تتزين بها، ويصفون أشكال الحلي الذهبيّة من القلائد والدمالج والخلاخيل والخواتم، عند سيّدات الطبقة الغنيّة، والفضيّة عند سواهم، ويذكرون كثرة ما تملكه المرأة في ذلك العصر من الياقوت، والزمرّد، والزبرجد، واللؤلؤ، وخاصّة بعدما تدفقت التحف والذخائر ونفيس الجواهر مما كانت تحويه بغداد  على قرطبة ،  وذكروا كيف كانت علب المصاغ العاجيّة عند نساء الخاصّة من أهل قرطبة تمتلئ بالعقود المرصّعة باليواقيت والفصوص، والخواتم، والأقراط، والأساور والدمالج، والخلاخيل، والتيجان، والدلايات الذهبية المرصّعة باليواقيت والزمرّد، وكيف كان أمراء بني أمية لا يضنّون على قيانهم ومحظياتهم وزوجاتهم بمثل هذه التحف الثمينة ؛ ولا يخلو متحف أثري في شبه جزيرة إيبيرية  من مجموعات نادرة، تشهد لصنّاع الأندلس بالمهارة والتفوق .

 

صناعة السكر :

 

عرفت الهند  السكرمنذ قديم الزمان، وكان يطلق عليه (الملح الهندي) وبالرغم من أن اليونان عند غزوهم للهند عرفوه وأشاروا إليه وإلى النبات الذي ينتج منه بقولهم: ضرب من القصب المدهش، ينتج نوعاً من العسل بدون تدخل النحل؛ فإنهم لم يدخلوه إلى مناطق البحر المتوسط، ولم يهتموا بنقله، وظل مجهولاً لهذا الجزء من عالم الحضارة حتى مقدم العرب، فجعلوا منه مادة تجارة عالميّة، ونشروا زراعته في جميع أنحاء دنياهم .(26)

 

ولما كان قصب السكّر ينمو بغزارة عند طرابلس ، فقد أقيمت مصانع لعصره وتجفيفه، وشاهد ناصر خسرو عمليّة عصر القصب فيها، وكانت طرابلس ودمشق تموّنان أوروبا  حتى أواخر العصور الوسطى بالسكّر بجميع أشكاله المعروفة آنذاك، بشكل رقائق، أو ناعم بشكل دقيق، أو بشكل حلوى .

 

وسجّل الرحالة ما شاهدوه في غور الأردن  من بقايا معاصر السكر التي يرجع عهدها إلى القرون الوسطى، وسمّاها بطواحين السكر، وتحدّثوا عن معصرتين للسكر كانت موجودة قرب أريحا  .

 

وتفوقت مصانع الأندلس  في البيرة  ومالقة وجليانة وإشبيلية بإنتاج السكر ذي الجودة العالية بسبب وفرة قصب السكر في القرن الرابع الهجري، ومهارة عماله، حتى أن السكّر الذي شكل سلعة اقتصاديّة مهمة ومصدراً لرزق عدد كبير من السكان كان يتدفق إلى أوروبا  عبر الجبال .

 

صناعة الشمع :

 

وذكر (سنيوبوس):أن أهل بيزا الإيطالية كانوا ينزلون مدينة بجّاي ة  في الجزائر ، فتعلموا منها صنع الشمع، ومنها نقلوه إلى ديارهم وإلى أوروبا  .

 

واستخدم المسلمون لتلطيف رائحة الشمع المحترق في بيوتهم الشمع المخلوط بالعنبر أو الكافور .

 

صناعة الجليد الصناعي:

 

وصنع العرب الثلج، وجعلوه في قوالب، حتى أن قافلة حج المهدي  العباسي إلى البيت الحرام سنة 773 م حملت معها ألواح الثلج في صفائح، ليشرب أمير المؤمنين وصحبه الماء البارد المشعشع بالثلج، وهم يقطعون مفازات الصحراء .

 

وذكر (جوتيه ): أنه وجد في كتاب عربي قديم لم ينقل إلى اللغات الأوروبية أن العرب عرفوا طريقة عمل الجليد الصناعي، بينما لم تعرف أوروبا  سر هذه الصناعة إلا في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي، وأدخلوا على أوروبا الورق المعمول من القطن، والورق الرخيص الثمن، فقد كان الناس يكتبون على البردى وهو غالي الثمن جداً .

 

وقال:إن العرب علّمونا صنعة الكتاب، وعمل البارود، وإبرة السفينة، فعلينا أن نفكّر ماذا كانت نهضتنا لو لم يكن من ورائها هذه المخلفات التي وصلتنا من المدنية العربية .(27)

 

صناعة الساعات :

 

واهتم المسلمون بصناعة الساعات لأهميتها في معرفة مواقيت الصلاة من غير ملاحظة حركات الكواكب، فكانت الساعات الرملية، والساعات المائية، والساعات الميكانيكية، وسمي هذا العلم: علم آلات الساعات، أو علم الآلات الروحانية لأن النفس ترتاح بغرائب هذه الآلات، وفق تعليل صاحب كشف الظنون حاجي خليفة ، واشتهرت ساعة تتحرك بالماء، ذات تركيب آلي خاص، أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد ، إلى الإمبراطور شارلمان، كانت بسبب دقّتها وحسن زخرفتها إحدى عجائب الصناعة .

 

ووصف الرحالة التجيبي  الساعة العجيبة التي أمر بصنعها السلطان لاجين بجامع ابن طولون  فقال: ووضع فيه قبّة جعل فيها طيقان صفر صغاراً على عدد ساعات الليل والنهار، فإذا مرّت ساعة انغلقت الطاقة التي هي لتلك الساعة، وهو تدبير عجيب، ولا تزال كذلك تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأول .(28)

 

وألّف في صناعة الساعات صاحب كتاب (الآلات الروحانية ) أبو العزيز بن إسماعيل بن الرزاز  الجزري، الذي خدم الأسرة الأرتقية في ديار بكر، أما كتابه (الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل) فقد قسمه إلى الفصول الستة التالية:في الساعات، وفي الأواني العجيبة، وفي الآلات الزامرة، وفي آلات إخراج الماء من المواضع العميقة، وفي الأباريق والطشت، وفي بعض الصور والأشكال .

 

يقول الدكتور عز الدين فراج : وإن كنت قد عرضت لآلات الساعات عند المسلمين، وبيّنت المجهود الذي صرفوه في سبيل خلق هذا العلم وتعهده، حتى بلغوا ما بلغوا إبّان حضارة الإسلام، إلا أنني ألفت نظر القارئ خاصّة إلى العناية التي وجهها ملوك المسلمين وأمراؤهم إلى تلك الآلات حتى أقاموها في المساجد، ودور العلم، والميادين العامة .(29)

 

واتسعت الصناعات الدقيقة إلى جانب صناعة الساعات في حواضر العالم الإسلامي، فصنعت الموازين الدقيقة بحرّان، وصارت مضرب المثل، إلى جانب الآلات الهندسية والفلكية كالإسطرلاب .

 

وبعد أن وفّر العرب المبدأ الذي صنعت الساعات بموجبه (رقاص الساعة) استطاع (بيتر هنلاين) سنة 1500م صناعة ساعة الجيب التي عرفت باسم (بيضة نورمبورغ).(30)

 

صناعة الصابون :

 

وابتكروا صناعة الصابون مستخدمين الصودا أو البوتاس، وما كانت تنتجه بلاد الشرق من زيت الغار أو الزيتون، أو شحوم الحيوانات، وأضافوا إليه العطور والألوان، وشكّلوه بالقوالب الجميلة، فكان إحدى السلع الرائجة في عالم التجارة، ولا تزال بعض البيوتات المشهورة بصناعته في مصر  والعراق وبلاد الشام  تحتفظ بالأختام التي تختم به .

 

صناعة الزجاج :

 

ونال الزجاج كغيره من الصناعات تشجيع الخلفاء والأمراء، واستمرت صناعة الزجاج في نهوض، واتخذ المسلمون من زجاج الأواني المختلفة، والقنينات للزينة، واستخدموه في صنع الموازين لثبات وزنه .

 

وبرعت سورية على نحو مخصوص في هذا الضرب من الصناعة، ولقد تنافس في اقتنائها أهل أوروبا ، حيث وجدت الدنان والمصابيح والقناني السورية الأنيقة المكسوّة بطلاء الميناء النافر الملون سوقاً رائجة .

 

وذكر المستشرق (روم لاندو ) فشل محاولات الصناع الأوروبيين منذ القرن الخامس عشر تقليد هذه النماذج السورية، وأنهم لم يوفقوا إلى إبداع مثل جمال تصميمها، أو كمال صنعتها .

 

وضرب (روم لاندو ) بعض الأمثلة الفضلى على الزجاج الإسلامي في مصابيح المساجد، حيث أفرغ الصناع في هذه الأدوات المنفعية كامل براعتهم الفنيّة، وأطلقوا العنان لميلهم الشديد إلى الزخرف الغني .(31)

 

وقد اشتهرت مدن مثل صيدا  وصور والاسكندرية، كعهدها القديم بإنتاج زجاج على قدر عظيم من النقاوة والجودة، فحيثما وجد الرمل الممتاز، وجد الزجاج الرائع .

 

كما حذقوا في صنع الأواني الزجاجية ذات البريق المعدني، نافسوا به الأواني الفضية والذهبيّة التي اعتبرها الفقهاء ترفاً لا يقره الدين، حتى أن الصليبيين خلال حروبهم نهبوا الكؤوس الزجاجيّة الملوّنة، التي عثروا عليها في المدن السوريّة وهم يعتقدون أنّها قد نحتت من الأحجار الكريمة .

 

واشتهرت بغداد  حاضرة بني العباس بصناعة الخزف ذي الألوان الجميلة الزاهية، والغضار المذهّب، والزجاج، وتفوّقت الكوفة  في هذه الصناعة، ولما انتقلت العاصمة إلى سامراء  رحل إليها مهرة الخزّافين والزجّاجين، فجوّدوا صنعته، وتفوّقوا في زخرفته، وابتكروا أشكالاً جمالية ملونة براقة، لا تقدر قيمة تحفها الباقية بثمن، واعتبرت دمشق  موطن الزجاج الجيّد الزائع الصيت، واشتهرت القدس  بصنع المرايا الجيّدة، ومدينة صور  بصنع الخرز الزجاجي .

 

وفي القرن التاسع الميلادي ظهر مركز آخر لصناعة الزجاج في الأندلس  الإسلاميّة، حيث اكتشف عباس بن فرناس  طريقة لصنع البلور، بإضافة عنصر الرصاص إلى العناصر التي يصنع منها الزجاج .(32)

 

وأشاد كل من زار بلاد الأندلس  بجودة الخزف الغرناطي والمالقي، بسبب جودة تربتها، وإتقان صناعها خلط الخزف بالرمل المشبع بالحديد لتقويته، ومعرفة صناعها تزجيج الفخار وتذهيبه وتفضيضه، وتلوينه بالألوان العجيبة، ويعزى إليهم صناعة الزليجي، الذي يقوم مقام الرخام في تزيين الجدران، وفرش الأرضيات .

 

ومما زاد في تفوّق صناعة البلّور، وجود البلّور الصخري الصافي في مناطق عديدة من الأندلس ، وكانوا يطلقون عليه (معدن المهى) ومن هذا البلّور الصافي صنعت أعمدة تقوم عليها حنايا من العاج والأبنوس المرصّع بالذهب في المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس بمدينة الزهراء  .

 

ومما شجّع على تقدم صناعة الزجاج عند المسلمين، عنايتهم بالعطر قبل الصلاة، وتوسعهم في تقطير الزهور، وهذه تحتاج إلى زجاجات جميلة أنيقة، ترضي زوق المرأة الشرقيّة وفتنتها .

 

صناعة العطور :

 

عرف الناس قديماً العطور الطبيعية المستخرجة من الأشجار والحيوانات كالمسك والبخور والصندل والكافور والعود، لكنهم لم يعرفوا طرائق صنعها من الزهور قبل اختراع العرب آلة التقطير، حيث استخرجوا عطر النرجس والبنفسج والكادي والسوسن والياسمين واستخدموا ماء الورد، وماء زهر الليمون في تحسين رائحة الطعام، وتحسين نكهة الحلويات .

 

واشتهرت البصرة  باستخراج ماء البنفسج، والكوفة ودمشق بدهنه، ومصر بدهن الزنبق، ومدينة الفرما  بدهن البلسان .

 

وكانت العطور العربية ذات الشهرة الفائقة قبلة أنظار الطالبين من الرجال والنساء في الشرق والغرب .

 

صناعة الورق :

 

انتهى استخدام الورق البردى حوالي منتصف القرن الرابع الهجري، وببركة عناية المسلمين بالقرآن ونسخه، وعناية الدولة والمجتمع بالكتاب، انتشرت صناعة الورق انتشاراً كبيراً، وراجت رواجاً عظيماً، حتى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد  أمر بكتابة المصاحف على الورق بدلاً من الرق، وتدوين كتب العلوم والفلسفة والدين على هذه المادة الرائعة السهلة التداول، الرخيصة الثمن .

 

كما أمر الرشيد  بألا يكتب الناس إلا في الكاغد (الورق) كما يقول القلقشندي.

 

وكان من أسباب تحوّل العرب عن البردى والرق إلى الورق، وإدخاله الدواوين الرسمية: قلّة تكاليف الورق، واستحالة غسله، وصعوبة محو الكلمات المكتوبة عليه دون أن يترك ذلك أثراً .

 

وكان الفاتحون المسلمون قد وجدوا في سمرقند  عند فتحها مصنعاً للورق، نقله إليها جماعة من أرباب الحرف الصينيين، فحملوا هذه الصناعة إلى حواضر الشام  والعراق، ومن الشرق انتقلت صناعة الورق إلى الأندلس  وصقلية، ولم يمض وقت طويل حتى نافست مصانع مدينة شاطبة  إحدى مراكز صناعته المتفوقة في الفردوس المفقود  ما تصنعه بغداد  من الكاغد، وفي الأندلس عرف الأوروبيون الورق وأحبوه، وعرف الصليبيّون الورق باسم الصحائف الدمشقية، ومنها نقلوا صناعته إلى بلادهم، حيث كان له أثر كبير في النهضة الأوروبيّة، ولكن بعد أربعمائة سنة من شروع العرب باستعماله، ثم في اختراع الطباعة في القرن السادس الهجري، وهكذا انتشرت في حواضر العالم الإسلامي صنعة الوراقة، وتشمل صنع الورق ونسخ الكتب وتجليدها، وكانت عناية المسلمين بالأحبار العادية والملونة والمذهبة من مستلزمات تفوق صناعة الكتاب، وهذا يفسر سر تفوق العلوم والآداب والفنون في دار الإسلام .

 

وفي طرابلس  اشتهرت صناعة الورق بمختلف أنواعه المعروفة في ذلك الوقت، من الكاغد، والطوامير، والقراطيس، واشتهر الورق المصنوع في طرابلس بجودته وتفوقه على الورق السمرقندي المشهور بجودته في ذلك الوقت .(33)

 

وأنشأ المسلمون بمدينة بلرم  عاصمة صقلية  الإسلاميّة أول مصنع للورق في أوروبا ، وتوجد وثيقة تحمل توقيع صاحب صقلية مؤرخة بسنة 1102م وهي أقدم وثيقة ورقيّة أوروبيّة مؤرّخة تم اكتشافها حتى الآن .(34)

 

وبلغت صناعة الورق في عهد الموحدين شأواً كبيرا، وكانت لها معامل كثيرة تنتج ورقاً جيّداً، ومن مدن المغرب  التي كانت مشتهرة في هذا الشأن مدينة سبته ، ومدينة فاس  .

 

ونقل الأستاذ المنوني عن االمؤرخ التونسي عثمان الكعاك  في معرض حديثه عن العلوم والآداب والفنون في عهد الموحّدين، أن عدد معامل انتاج الورق في مدينة فاس  بلغ في هذا العهد 400 معمل، وذلك أيام المنصور  والناصر بين عامي (1184 ـ 1213) بينما يرجع إنشاء أول معمل للورق في إنجلترا إلى عهد الملكة اليزابيت  عام 1588 .(35)

 

صناعة التجليد:

 

برع العرب في صناعة الورق، حتى أصبح سلعة مزدهرة، استقبلتها اوروبا  بحفاوة، ومع الورق حمل العرب الكتاب الورقي، وصنعة التجليد بالجلد المزين المنقوش بالزخارف النافرة، وعلّموهم تذهيب الكتب، وأدخلوا طريقة صنع لسان الكتاب الذي يصون حافة الكتاب الأمامية .

 

صناعة السجّاد:

 

تعتبر بلاد التركستان  الصينيّة الموطن الأصلي للسجّاد، لكن  شهرة السجّاد الإسلامي الفارسي اليدوي، المصنوع من خيوط الصوف أو الحرير، فاقت كافة المشغولات الوبرية .

 

ويبدي المستشرق (روم لاندو ) إعجابه بالسجادة الفارسية الشائعة ذات المحراب، والمصباح المتدلي من سقف المسجد، وبرسوم صفحة السجاد الفارسي المشابهة لزهور الحديقة فيقول: وفّق الفرس إلى الاحتفاظ بجنتهم الصغيرة الخاصّة حتى ضمن جدران البيوت، ولقد فعلوا ذلك بأن جعلوا من السجادة حديقة؛ إن الرياحين ومساكب الزهور التي نجد رسومها منظومة نظماً متساوقاً على صفحة السجادة لا تعدو أن تكون تمثيلاً للجنينة الفعلية الخارجية .(36)

 

واشتهر المسلمون بعشقهم للسجاد، وتنافسهم على اقتناء نفائسه، والمحافظة عليه في بيوتهم ومساجدهم نظيفاً طاهراً، ولا ينتعل المسلم حذاءه إذا أراد أن يطأ بقدمه سجادة الصلاة، أو سجاجيد حجرات المنزل، حفاظاً على طهارة المكان، ويفرّقون بين الجيد والرديء منه في عدد العقد في الإنش المربع الواحد، وثبات الألوان، ومتانة الخيوط، وروعة الرسوم .

 

ولم تكن صناعة الأبسطة والسجاد الفائق الجودة مقصورةً على بلدان المشرق الإسلامي، بل تعدته إلى الأندلس ، وخاصّة إلى بسطة وغرناطة، حيث كان يستخدم في تزيين الحوائط، وفرش أرضيات المساجد والبيوت، وإلى بسطة هذه ينسب سجاد صلاة يسمى (الوطاء البسطي) ويصنع من الديباج الذي لا يعلم له نظير، وليس لدينا غير سجادتين من القرن التاسع الهجري (15 ميلادي) محفوظتين بالمتحف الأثري بغرناطة .(37)

 

كتابة بلد المنشأ على المصنوعات:

 

وكان الصناع يكتبون اسم مدينتهم على منتجاتهم ، ومنهم صناع بصنا : وهي مدينة من بخوزستان ويصنع فيها الستور التي تحمل إلى الآفاق المكتوب عليها(عمل بصنا) وينسجون فيها الأنماط (ضرب من البسط) ويغزلون الصوف .(38)

 

تقليد الصناعة المشهورة:

 

وكان صناع المدن المتواضعة يقلّدون الصناعات المشهورة، فقد كان ينسج بالحويزة غرب الأهواز  ثياب تشبه ثياب بغداد ، وتحمل إليها فتدلس بها(39)

 

وفي الأندلس  نمت صناعة مقلدة للمنتوجات المستوردة من المشرق بشكل مطابق للأصل إلى حد كبير، لإرضاء مطالب المستهلكين في الأندلس والممالك النصرانية، اشتملت على المنسوجات والمجوهرات ومنتجات العاج والخزف والأثاث وغيرها .

 

ارتفاع الحواجز بين الشعوب :

 

وارتفعت الحواجز بين شعوب الأمة الواحدة، فتنقل العمال في أرجاء العالم الإسلامي طلباً للرزق، حتى أن صنّاع الموصل  هاجروا إلى القاهرة  بعد دخول التتار مدينتهم، ومنهم محمد بن سنقر  المعروف بابن المعلّم المتوفى سنة 827/1327 حيث صنع تحفاً فنية لملوك مصر ، ما زال بعضها باقياً في متاحف الفن الإسلامي بالقاهرة وبرلين .

 

وفرة العمال الفنيين :

 

وبلغ عدد العمال المتخصصين إلى عدد السكان رقماً كبيراً، حيث ذكر ابن العماد الحنبلي  في شذراته إحصاء حاكة مدينة الإسكندريّ ة في آخر القرن الثامن الهجري فكان: أربعة عشر ألف نول .(40)

 

وذكر المقري  صاحب (نفح الطيب): أن عدد أنوال المريّ ة  بالأندلس بلغ سنة 1014ه خمسة آلاف وثمانمائة نول .

 

ارتفاع قيمة المنتجات الجيدة :

 

وأشار ياقوت  إلى ارتفاع قيمة بعض المنتجات الصناعيّة، نظراً لجودتها فقال: والحياكة بسوسة ـ مدينة ـ كثيرة، ويغزل بها غزل تباع زنة مثقال منه بمثقالين من ذهب .(41)

 

تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة :

 

وصنعوا من الرصاص الكحل، وحاولوا صنع المعادن النفيسة من المعادن الرخيصة، وأجروا التجارب دون نتائج تذكر لاكتشاف حجر الفلاسفة، وألّفوا في ذلك الكتب، وكان رائدهم في هذا العلم خالد بن يزيد  .

 

استغلال مساقط المياه:

 

واستغل المسلمون قبل اختراع الآلة البخارية، ومحركات الاحتراق الداخلي، قوة دفع الماء أثناء سقوطها من الأماكن المرتفعة،  وأقامو أرحية على أفواه الأنهار لإنتاج طاقة مجّانية، دارت بها رحى الأقاليم، فنام الناس في ظل دولة الإسلام ملء جفونهم مطمئنين لعدل السماء .

 

نقل الصناعات إلى أوروبا :

 

وأدخل المسلمون في جزيرة صقلية  صناعتي الحرير والسكر، وأدخلوا صناعة نسيج الحرير والكتان، حتى أصبحت صقلية مركزاً مرموقاً لصناعة النسيج، واستمر إنتاجها الممتاز حتى بعد زوال الحكم الإسلامي منها، حتى أن متاحف أوروبا  تحوي الآن نماذج لمنسوجات طرّزت بأيد عربيّة، بخيوط ذهبيّة وكتابات إسلاميّة .

 

وكانت الصناعات الإسلاميّة قد بلغت في إسبانيا  أوج عظمتها، فقدم الأوروبيون من كل مكان إليها لقربها، للحصول على ما أنتجته اليد العربية الإسلاميّة، وقدم بعض العمال الأوروبيين ليتعلموا على يد الصنّاع المسلمين المهرة كل ألوان الصناعة العربية والفنون الإسلامية، وبذلك انتقلت الصناعة الإسلامية إلى أرجاء أوروبا ، ويكفي فضلاً الصناعة الإسلاميّة أنها أدخلت في إسبانيا صناعات السكّر والزجاج والورق .(42)

 

 

المراجع:

 

1 ـ حضارة الموحدين ص 159 محمد المنوني  .

 

2 ـ  تاريخ الموصل  ج1 ص404 سعيد الديوه جي .

 

3 ـ الروض المعطار ص 360 محمد عبد المنعم الحميري .

 

4 ـ معجم البلدان م5 ص87 ياقوت  الحموي  .

 

5 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص332 كي لسترونج  .

 

6 ـ مظاهر الحضارة في الأندلس  في عصر بني الأحمد ص 304 أ. د. أحمد الطوخي  .

 

7 ـ تاريخ الموصل  ج1 ص411 سعيد الديوه جي .

 

8 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص514 كي لسترونج  .

 

9 ـ قرآن كريم، سورة الحديد، الآية 25 .

 

10 ـ بلوغ الأرب ج2 ص62 محمود شكري الآلوسي .

 

11 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص519 كي لسترونج  .

 

12 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص531 كي لسترونج  .

 

13 ـ قرطبة  حاضرة الخلافة في الأندلس  ج 2 ص 135 د. السيد عبد العزيز سالم

 

14 ـ تاريخ الموصل  ج1 ص409 سعيد الديوه جي .

 

15 ـ الأندلس  ص182 ج. س. كولان  .

 

16 ـ العلوم والآداب والفنون في عهد الموحدين ص 257 محمد المنوني  .

 

17 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص389 كي لسترونج  .

 

18 ـ آثار البلاد وأخبار العباد ص411 زكريا القزويني  .

 

19 ـ آثار البلاد وأخبار العباد ص404 زكريا القزويني  .

 

20 ـ قرطبة  حاضرة الخلافة في الأندلس  ج 2 ص 146 د. السيد عبد العزيز سالم.

 

21 ـ الأندلس  ص 177 ج . س . كولان  .

 

22 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص244 كي لسترونج  .

 

23 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص262 كي لسترونج  .

 

24 ـ آثار البلاد وأخبار العباد ص339 زكريا القزويني .

 

25 ـ فضل الإسلام على الحضارة الغربية ص 37 مونتجومري وات  .

 

26 ـ أثر العرب فيفي الحضارة الأوروبية ص 331 جلال مظهر  .

 

27 ـ الحضارة والتمدن الإسلامي ص 37 عبد المتعال الجبري .

 

28 ـ آثار مصر  الإسلامية ص 84 د. محمد محمد الكحلاوي .

 

29 ـ فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية ص 80 عز الدين فراج .

 

30 ـ الأندلسيون المواركة ص 280 عادل سعيد بشتاوي  .

 

31 ـ الإسلام والعرب ص 336 روم لاندو  .

 

32 ـ الإسلام في مجده الأول ص 279 موريس لومبار  .

 

33 ـ تاريخ طرابلس  ج1 ص324 عمر عبد السلام تدمري.

 

34 ـ دراسات في تاريخ صقلية  الإسلامية ص 125 د. أمين توفيق الطيبي .

 

35 ـ العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين ص 256 محمد المنوني  .

 

36 ـ شذرات الذهب ج7 ص218 ابن العماد الحنبلي .

 

37 ـ مظاهر الحضارة في الأندلس  في عصر بني الأحمد ص 307 أ. د. أحمد الطوخي  .

 

38 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص275 كي لسترونج  .

 

39 ـ بلدان الخلافة الشرقية ص285 كي لسترونج  .

 

40 ـ الإسلام والعرب ص 345 روم لاندو  .

 

41 ـ معجم البلدان م5 ص175 ياقوت  الحموي  .

 

42 ـ فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية ص 84 عز الدين فراج .

 

محمد علي شاهين

 

 

أضف تعليق

Filed under Uncategorized

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s